كمال الدين دميري

262

حياة الحيوان الكبرى

النار يهذب بهما أهلها بحيث لا يبرحان بها صار كأنهما ثوران عقيران لا يبرحان . كذلك ذكر ذلك أبو موسى وهو كما تراه . وقيل : إنما يجمعان في جهنم لأنهما عبدا من دون اللَّه عزّ وجلّ ولا يكون لهما عذاب لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة على تبكيت الكافرين وخزيهم . وردّ ابن عباس قول كعب الأحبار ، وقال : اللَّه أجلّ وأكرم من أن يعذب الشمس والقمر ، وإنما يخلقهما يوم القيامة أسودين مكوّرين ، فإذا كانا حيال العرش خرّا ساجدين للَّه تعالى ، ويقولان : إلهنا قد علمت طاعتنا لك وسرعتنا في المضي في أمرك أيام الدنيا ، فلا تعذبنا في عبادة الكافرين إيانا . فيقول الرب تعالى : صدقتما إني قضيت على نفسي أن أبدىء وأعيد وأني أعيد كما إلى ما بدأتكما منه ، وإني خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيختلطان بنور العرش . فذلك معنى قوله تعالى : * ( إِنَّه هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ ) * « 1 » . وروى أبو نعيم في ترجمة سعيد بن جبير أنه قال : أهبط اللَّه تعالى إلى آدم ثورا أحمر ، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه وهو الذي قال اللَّه تعالى فيه : * ( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) * « 2 » فكان ذلك شقاءه وكان عليه السلام يقول لحواء : أنت عملت بي هذا فليس أحد من ولد آدم يعمل على ثور إلَّا قال : حو دخلت عليه من قبل آدم . وكانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب إما لكدر الماء ، أو لقلة العطش ، ضربوا الثور فيقتحم الماء لأن البقرة تتبعه . وقال في ذلك أنس بن مدركة « 3 » في قتله سليك ابن سلكة « 4 » : إني وقتلي سليكا ثم أعقله كالثور يضرب لما عافت البقر « 5 » الأمثال : قالوا « 6 » : « الثور يحمي أنفه بروقه » والروق القرن . يضرب في الحث على حفظ الحريم . وفي سنن النسائي وسيرة ابن هشام ، أما الصديق رضي اللَّه تعالى عنه ، لما قدم المدينة مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، أخذته الحمى وعامر بن فهيرة وبلالا قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها : فدخلت عليهم ، وهم في بيت واحد ، فقلت : كيف أصبحت يا أبت ؟ فقال : كل امرء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله فقلت إنّا للَّه وإنا إليه راجعون إن أبي ليهذي ثم قلت لعامر كيف تجدك ؟ فقال : لقد وجدت الموت قبل ذوقه والمرء يأتي حتفه من فوقه كل امرء مجاهد بطوقه كالثور يحمي أنفه بروقه فقلت : واللَّه هذا ما يدري ما يقول . ثم قلت لبلال : كيف أصبحت ؟ فقال : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بفخ وحولي أذخر وجليل

--> « 1 » سورة البروج : الآية 13 . « 2 » سورة طه : الآية 117 . « 3 » ذكر صاحب الشعر والشعراء أن قاتل السليك هو أنس بن مدرك الخثعمي . « 4 » والسّليك هو ابن عمير بن يتربي بن سنان ، والسّلكة أمه ، شاعر أسود صعلوك من صعاليك الجاهلية قتل في نحو 17 ق . ه - . « 5 » البيت في ترجمته السليك . الشعر والشعراء : 232 . « 6 » مجمع الأمثال : 1 / 153 .